الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

214

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والواو في قوله : أَ وَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ لم يعرج المفسرون على موقعها . وهي واو العطف عطف بها ( خزنة جهنم ) كلامهم على كلام الذين في النار من قبيل طريقة عطف المتكلم كلاما على كلام صدر من المخاطب إيماء إلى أن حقه أن يكون من بقية كلامه وأن لا يغفله ، وهو ما يلقب بعطف التلقين كقوله تعالى : قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [ البقرة : 124 ] فإن أهل النار إذا تذكروا ذلك علموا وجاهة تنصل خزنة جهنم من الشفاعة لهم ، وتفريع فَادْعُوا على ذلك ظاهر على كلا التقديرين . وهمزة الاستفهام مقدمة من التأخير على التقديرين ، لوجوب صدارتها . وجملة وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ يجوز أن تكون من كلام خزنة جهنم تذييلا لكلامهم يبين أن قولهم : فَادْعُوا مستعمل في التنبيه على الخطأ ، أي دعاؤكم لم ينفعكم لأن دعاء الكافرين في ضلال والواو اعتراضية ، ويجوز أن تكون من كلام اللّه تعالى تذييلا واعتراضا . والبينات : الحجج الواضحة والدعوات الصريحة إلى اتباع الهدى . فلم يسعهم إلا الاعتراف بمجيء الرسل إليهم بالبينات فقالوا : بلى فرد عليهم خزنة جهنم بالتنصل من أن يدعوا اللّه بذلك ، إلى إيكال أمرهم إلى أنفسهم بقولهم : فَادْعُوا تفريعا على اعترافهم بمجيء الرسل إليهم بالبينات . ومعنى تفريعه عليه هو أنه مفرع عليه باعتبار معناه الكنائي الذي هو التنصل من أن يدعوا لهم ، أي كما توليتم الإعراض عن الرسل استبدادا بآرائكم فتولّوا اليوم أمر أنفسكم فادعوا أنتم ، فإن « من تولى قرها يتولّى حرّها » ، فالأمر في قوله : فَادْعُوا مستعمل في الإباحة أو في التسوية ، وفيه تنبيه على خطأ السائلين في سؤالهم . وزيادة فعل الكون في أَ وَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ للدلالة على أن مجيء الرسل إلى الأمم أمر متقرر محقّق ، لما يدل عليه فعل الكون من الوجود بمعنى التحقق ، وأما الدلالة على أن فعل الإتيان كان في الزمن الماضي فهو مستفاد من ( لم ) النافية في الماضي . والضلال : الضياع ، وأصله : خطأ الطريق ، كما في قوله تعالى : أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [ السجدة : 10 ] . والمعنى : أن دعاءهم لا ينفعهم ولا يقبل منهم ، وسواء كان قوله : وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ من كلام الملائكة أو من كلام اللّه تعالى فهو مقتض عموم دعائهم